محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

271

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وكتابا ، وظهر القرآن بالإنسان الذي علّمه البيان ؛ فظهر فضل آدم بتعلّم الأسماء ، وظهر فضل محمّد بتعلّم القرآن : الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ؛ وقد خاب وخسر من طلب الحكمة من غير القرآن . أليس يسمع من الفلاسفة حدّ الإنسان بأنّه الحيّ الناطق ، ثمّ يتبلبل عليه الحال إذا قيل : إنّ النفوس الفلكية عندك أحياء ناطقون ولا يقال : إنّها إنسان ؛ فربّما يزيد منهم زائد مائت : أي قابل للموت ؛ وهذه زيادة في نقصان ؛ وربّما يقول المتحذّقون منهم : إنّ النطق يطلق على النفوس الفلكية وعلى الإنسان بالاشتراك المحض ؛ فيقال : لم أدرجت في الحدّ اللفظ المشترك وقد أوجبت الاحتراز عنه ؟ ! فهلّا سلّمت لصاحب القرآن وأصغيت إلى القرآن ، فتعرف في قصّة آدم كيف فضّله على الحيوانات وكيف فضّله على الروحانيات وكان الفضل فصلا ؟ ! ومن لم يستكشف الظلمات بالقرآن بقي في ظلمات المحارات ليس بخارج عنها وله عذاب أليم . وسرّ آخر : في الآية عموم وخصوص . أمّا العموم فقوله : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها والتأكيد بكلّها يقتضي عموم الأسماء ؛ وأمّا الخصوص فقوله : ثُمَّ عَرَضَهُمْ وقوله : بِأَسْماءِ هؤُلاءِ يقتضي خصوصا للأسماء ، وهو بعض المسمّيات ؛ فيجوز أن يكون التعليم واقعا على جميع الأسماء ، والعرض واقعا على بعض المسمّيات بتلك الأسماء التي وقعت عليها ؛ وأحسن ما قيل في الأسماء : إنّها ليست خالية عن المعاني ، وتلك المعاني ليست مقصورة على وقوعها على المسمّيات فقط ؛ إذ لا شرف فيها ذلك الشرف الذي يفضّله على الملائكة ، بل جعل اللّه تعالى تلك الأسماء دالّة على أعيان الموجودات ، وعلى خواصّها ومنافعها ومضارّها ( 117 ب ) ، فحصل لآدم - عليه السلام - العلم بالأشياء كلّها من حيث هي كذلك من الخواصّ والمنافع والمضارّ ؛ وهذا العلم لم يكن حاصلا للملائكة - عليهم السلام - بواسطة الأسماء ؛ فلذلك ظهر فضله عليهم ، ووجبت طاعتهم له ؛ وقد قيل إنّ الملائكة كانوا يعلمون العلوم الكلّية من الأسباب العلوية دون العلوم الجزئية في المسبّبات السفلية ؛ فخصّ آدم - عليه السلام - بالعلوم الجزئية بتوسّط الأسامي ؛ فأفحمهم بذلك أولا ، ثمّ أفهمهم الجزئيات ، وأعلمهم حتّى تعلّموا منه ؛ إذ العقول المحضة لا تدرك الجزئيات والحواسّ